نظامان إلهيان للغلبة والانتصار

نظرة جديدة إلى التراث الأدبي العربي | nazratun jadeed ilat turasil adabil arabi

نظرة جديدة إلى التراث الأدبي العربي

October 25, 2017
قارنوا بين الربح والخسارة | qaarinu bainar ribh wal khasaarah yaa zuamaul arab

قارنوا بين الربح والخسارة

October 25, 2017
Show all

نظامان إلهيان للغلبة والانتصار

وقفة قصيرة عند الحوادث الأخيرة في العالم العربي
كلمة ألقيت في سنة 1388هـ في قاعة المدرسة الثانوية بالمدينة المنورة، بعنوان “الطريق إلى النصر”. إن موضوع اليوم هو موضوع مطروق متداول، ولو طرح لأي واحد من عامة المسلمين ومن أهل البلد، فضلاً عن المثقفين، فضلاً عن قادة الفكر، وفضلاً عن حملة الأقلام والمؤلفين، لكان له جولة وصولة في هذا الموضوع، ولكنه إذا بحث ونوقش في مثل هذا المجلس المؤقر الذي يضم هذه المجموعات الطيبة المثقفة، كانت له روعة، وقد يثير جوانب من التفكير.
إن هنالك نظامين: نظام طبيعي خلقه الله تبارك وتعالى، واختار لهذا الكون، واتخذه سنة له، وهو أن الكثرة تغلب القلة، وأن الغناء يغلب الفقر، وأن الأسباب الكثيرة تغلب الأسباب القليلة، وأن القوة تغلب الضعف، وأن التنظيم والوحدة والانسجام، والعزم، وقوة الارادة والصرامة والثبات، هذه صفات وأخلاق تغلب دائماً أضدادها، وكنا قد جربنا هذا النظام في حياتنا الطبيعية اليومية، إن الله سبحانه وتعالى قد أودع في الأشياء طبائعها، وهي لا تفارقها على مر القرون والأعصار، فأودع في النار طبيعة الاحراق، فالنار تحرق دائماً، وأودع في الماء طبيعته، وأودع في الطين طبيعته، هذه طبائع الأشياء لا تفارقها، وهذا النظام الطبيعي قانون عادل محايد لا يراعى أحداً، ولا يفضل بشراً على بشر، ولا جماعة على جماعة، حتى إن هذا القانون لا يميز بين الكافر والمؤمن، وبين التقى والفاجر، وبين الصالح والفاسد، وبين المصلح والمفسد، فالنار تحرق كلما امتدت إليه، لا تراعى مصلحة ولا تخاف عاقبة، هذا هو الميزان العادل المحايد الذي يزن الأشياء وزناً دقيقاً ولا يداهن ولا يحابى، ولا يفرق ولا يميز، هذا هو القانون الذي جربه الإنسان هذا. وتاريخ الفتوح الإنسانية، والمغامرات البشرية، وتاريخ الانتصارات، والحكومات زاخر بالشواهد والأمثلة، إنه تاريخ متصل متكرر، طويل مستمر، لا تجدون فيه الاستثناء. والكتب السماوية والنبوءات لم تبحث في هذا الموضوع،  فهو شيء طبيعي.
ولكن هنالك نظاماً آخر، هو النظام الذي بحث عنه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وبحثت عنه الكتب السماوية وشرحته وحثت عليه، وهو أن الله سبحانه وتعالى قد خلق غايات أفضل وأسمى، وأحق بالاهتمام والاحترام من هذه الغايات التافهة ـ إذا صح أن نسميها تافهة ـ فالنار تحرق، والماء يغرق والسم يقتل والترياق ينجع، والطبيب يعالج، والمرض يرهق ويضعف، والدواء يشفى ويريح وما إلى ذلك.
فإذا تصادمت الغايتان، الغاية الطبيعية، والغاية الشرعية، الخلقية العقلية الدينية، الأساسية الرئيسية، التي هي غاية الخلق، وغاية هذا الكون، وغاية النوع البشري، رجحت كفة الغاية الأخيرة، لذلك لما ألقى إبراهيم في النار، كانت هناك سنة الله التي نفذت في خلقه، وسارت السير الطبيعي، وانطلقت من غير تقييد، فكانت النار تحرق منذ آلاف من السنين، ماسجلت تجربة واحدة في التاريخ البشري ـ على أمانته ودقته في النقل ـ ولكنها خضعت ودانت وانقهرت، وتواضعت هذه الطبيعة النارية للطبيعة الدينية، وأطاعت أمر الله تبارك وتعالى وتوقفت عن إحراق إبراهيم، وأصبحت برداً وسلاماً على إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وهذا القرآن مملوء بهذه الشواهد والدلائل. فأيها العرب! لا فضل ولا خير للانسانية جمعاء، في قومية من القوميات، قومية بقومية، وجنسية بجنسية، ودم بدم، ومدينة بمدينة، إذا افتخرتم أنتم بالقومية العربية فهناك مئآت من الشعوب تفتخر بقيوميتها، لا فضل لقومية على قومية، ولا فضل لحضارة بائدة على حضارة بائدة، إنما الفضل للرسالة الخالدة التي جاء بها محمد ﷺ، فارفقوا بأنفسكم أيها العرب! قبل أن ترفقوا بغيركم. فارفقوا نفوسكم، ارفقوا بمستقبلكم، أرفقوا بأجيالكم القادمة.

nizamaan-ilahiyaan-lil-ghalbah-wa-intesaar